التاريخ: 2017-8-8 مشاهدات: 177

تشكل التربية بمختلف مجالاتها وأبعادها, أهم التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة, بعد أن اختصرت التقنيات الحديثة المسافات, وأزاحت الجدران بين الشعوب والحضارات, وتزامنت هذه البيئة الجديدة مع إدراك المعنيين بالتربية بأن مقياس تقدم الشعوب وقوتها بات يتمثل بما تملكه من طاقات علمية ومخرجات أنتجتها أنظمتها التربوية, فقوة الأمم المعاصرة تقاس اليوم, في قدراتها على بناء الروح العلمية والنقدية لأبنائها من أجل الحياة في عصر بات التغير السريع أهم سماته, تغير أصبح يواجه الأنظمة التربوية, بما يفوق قدرتها على الوفاء بمتطلباته في كثير في الأحيان.


وتعد التربية من أهم عوامل تقدم المجتمعات, والسمو بها, وبفضلها تحدد مسارات الحياة واتجاهاتها, باعتبارها العنصر الرئيس في تشكل أفراد المجتمع, وتكوين شخصياتهم, فهي الأداة التي بها تكتشف الطاقات الإنسانية, وتتفتح بوساطتها ملكات الأفراد ومواهبهم, وهي بالتالي تحدد الأبعاد الروحية والفكرية للفرد والجماعة. فالتربية هي التنمية بجميع جوانبها, فهي تنمي الفرد في إطار قدراته واستعداداته, وبذلك يغدو المربي صانع الأمة الحقيقي, يصوغ مستقبلها, ويعكس الصورة المرجوة لنوع الثقافة, ويرسم أبعاد التطور في عالم هو اليوم في حاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى تربية, تعيد تشكيل أفراده لبناء ذلك الإنسان المبدع, صاحب الأخلاق الفاضلة, والإحساس المرهف, الذي يعمل لمجتمعه ولنفسه وللإنسانية جمعاء, إنسان يتحدى التعصب والتخلف والتطرف والجشع, ويصارع القيود والإحباطات النفسية والفكرية, يعمل بثقة وإيمان في إطار قيم فلسفية وإنسانية, حريص على استيعاب العلم النافع, له ثقة في قدرة الإنسان اللامحدودة في العطاء. أن الإشكالية الرئيسة التي تواجهها البشرية اليوم هي إشكالية تربوية قبل كل شيء أي هي إشكالية قيم وتنمية وتسابق سريع في هذا المضمار, والتربية هي العنصر الوحيد الذي يمكنه أن يبني ذلك الجيل الذي يطور ويبني سعادة الإنسان كغاية لمختلف أصناف العلوم. وجدير بنا هنا أن نذكر مقولة "لايبنتز" حيث يقول: "أعطوني التربية, أغير وجه أوروبا قبل انقضاء قرن (لوبون 1949, 81). وتتجسد في هذه المقولة مسألة ربط العلم بالحياة كأساس للمعرفة, شريطة تجسيد هذه الأخيرة في واقع فعلي عملي, هذا المعنى الذي قصده" سقراط" بالمعرفة ذات الأثر في صاحبها. لذا نجد اهتمام التربية بأمر التعليم الذي يعتبر من أهم جوانب المعرفة ووسيلة رئيسة لتحقيق الأهداف التربوية. وبالتربية أيضا استطاعت المجتمعات عبر تاريخ تطورها الطويل أن تحافظ على ديمومتها وتماسك أفرادها كمجموعات متجانسة في مختلف السمات, حتى أصبحت لكل مجتمع ثقافة خاصة بكل مضامينها الروحية والمادية, ثقافة أنتجها المجتمع وعمل على تطويرها وترسيخها في نفوس أبنائه عبر الأجيال المتعاقبة بواسطة التربية, ليحافظ من خلالها على وحدته وتماسكه واستمراره, وقد اتخذت المجتمعات, منذ القدم, من التربية وسيلة أساسية وأداة فاعلة في إعداد أفرادها, بما يتناسب مع أهدافها وغاياتها. ولا تخرج غايات التربية الحديثة وأهدافها, عما كانت عليه هذه الغايات قديما, فما زالت قضيتها الأساسية هي بناء الإنسان, وتنميته بما يتلاءم مع حتمية التغيير الاجتماعي, وتسارعه المستمر في العصر الراهن. فقد تركزت الجهود لإيجاد التربية الفعالة التي تأخذ في الحسبان ميزات الناشئة, ورغباتهم واهتماماتهم وميولهم من جهة, وحاجات المجتمع ومتطلباته التنموية من جهة أخرى, وهذا ما يتجلى واضحا من خلال العلاقة بين التربية والمجتمع.


وإذا كان لكل مجتمع أنموذجه التربوي وأساليبه الخاصة في تفعيل هذا الأنموذج, فأنه, بدون شك, يضع إمكاناته كلها للوصول إلى هذا الانموذج عبر تربية ابنائه وفق رؤيته لمكونات الفرد المنشود والاهداف التي يسعى إلى تحقيقها من خلاله. وبناء على ذلك تكون الشخصية الفردية في أي مجتمع, نتاجا حتميا للتربية السائدة في هذا المجتمع, بكل أبعادها. ولقد أوضح "دوركهايم " أن نظام التربية لا يستهدف تفتح الفرد في المقام الأول, وإنما هو قبل أي شيء الوسيلة التي يستخدمها المجتمع لإدماج الفرد في البناء الاجتماعي. ويتم ذلك بتحديد غايات التربية من قبل المجتمع الذي يريد أن يصنع الجيل على صورته, وهكذا يرتبط مستقبل الجماعة بمستقبل أبنائها.


فالتربية إذن, هي الأداة أو الأسلوب المنهجي الذي يعتمده المجتمع في إعداد الناشئة وتأهيلهم للحياة في واقع متغير بشكل متسارع, والعمل على تمكين الفرد من فهم طبيعة ما يواجهه من مواقف ومشكلات, وإعداده لتفهم طبيعة الحاضر واستشراف المستقبل.


                                     


 أ.د.عبد الله المجيدل