التاريخ: 2017-7-26 مشاهدات: 160

هذا كتاب في الشعر العراقي المعاصر, وعلى الأدق فهو كتاب يعنى برصد الظواهر الفنية في القصيدة الجديدة, وبأدوات التشكيل الجمالي لها.


وما أعنيه بالظاهرة هو "السمة الفنية" التي تميّز بها نتاجُ جملة من الشعراء المهمين والمؤثرين, والتي شاعت حتى غدت طريقة تعبير مألوفة ونامية من جيل لآخر, سواء أكانت هذه السمات على صعيد المحتوى أو الأداة.


تلك الظواهر يمكن حصرها في ثلاثة اشياء : "الأداء القصصي في الشعر" و"القصيدة الطويلة وقصيدة القناع" و"الأسطورة والرمز" وعلاقة الظاهرة الأولى بالثانية وطيدة, بل ان الثانية لتبدو امتداداً, أو تتمّة طبيعة للأولى. وكلتاهما تنتميان إلى ما يمكن أن نطلق عليه "الأداء الدرامي في الشعر", وليست الثانية ببعيدة عن هذا الاتجاه أيضاً.


وإذا كانت هذه الظواهر مما يتعلّق بالبنية الشعرية أو تكنيك القصيدة, فلا بد لأيّ ناقد أو باحث يطمحُ مخلصاً إلى تقديم رؤية نقدية متكاملة عن الشعر الجديد أن يتناول بالدراسة أدوات التشكيل الجمالي للشعر "اللغة" "الصورة" "الموسيقى".


هذه الأدوات توّزعت – كما توّزعت الظواهر – على ثلاثة فصول أيضاً.


ولعل أي ناقد للشعر مطالب بقضية غاية في الاهمية, هي أن يوضح لقارئه الإجابة عن هذا التساؤل. إلى أي مدى تتأثر الأداة بالمحتوى, وبتعبير دقيق فان لقارئ هذا الكتاب أن يسأل كاتبه عن العلاقة بين "الظاهرة" و"أدوات التشكيل الجمالي للشعر". ولذا فإنّني سأبادر إلى القول: بأنّني حاولت جاهدا أن أتلمّس تأثير تلك الظواهر الفنية على أدوات التعبير هذه, أي: أثر الأداء القصصي في لغة الشاعر, في صورة, الأثر الفني الدرامي على لغة الشعر, تأثير الرموز والأساطير في أداتي التعبير, هذا كله محاولة منهجية تطمح إلى كشف أثر البناء بالأداة, المحتوى بالشكل. أمّا قضية موسيقى الشعر فلم تبعد هي الأخرى عن هذا المنهج, بل انّنا توجّهنا بدراستها وجهة جديدة مضنية هي محاولة للإجابة عن السؤال الذي ظل معلّقا أبداً دون أن يجد جواباً مقنعاً, أو محاولة ناقدة جادة, والسؤال هو: كيف تتأثر موسيقى الشعر بالموضوع الشعري, كيف تتغير تبعاً لتغير الانفعال, وإلى أي مدى يرتبط الإيقاع الداخلي لموسيقى القصيدة – كوحدات ايقاعية أو تجانسات صوتية – بتغير انفعال الشاعر بالحدث, بالمضمون, بالمواقف المختلفة, بطريقة الأداء, وهذا كله مّما ينبثق عن الظواهر الفنية التي هي مادة بحثنا في القسم الأول من هذا الكتاب.


انّ أهم صفة لمنهج هذا البحث هي ما يمكن أن نسمّيه "رصد التدرّج في التوظيف" توظيف الظاهرة وتوظيف الأداة أيضاً, كيف بدأ, وتدرّج, وأخذ ينمو, وتكامل, وأين أخفق الشاعر في فهمه توظيف تلك العناصر, وكيف سمت به قدراته, وأين, ولعل صفته الأخرى هو أنه يبدأ بتساؤلات نامية ويحاول أن يجيب عنها. قدر ما يسعفه حظّه من الإجابة الصائبة لكن الأسئلة تظل قائمة وستظل الإجابات أيضاً, الأسئلة تتجدّد والإجابات كذلك.


يقول صديقنا الدكتور عز الدين إسماعيل: "أن يكتب شاعر عن شعراء معاصرين فتلك مهمة ليست بالسهلة, وأن يكون جلُّ هؤلاء الشعراء أصدقاء شخصيين للباحث فهذا ممّا يزيد الأمر صعوبة" والصعوبة تكمن في ما تثيره هذه العبارة "إلى أي مدى يستطيع باحث من هذا الطراز أن يضبط أحكامه النقدية؟". بمعنى إلى أي حد ّستكون أحكام هذا الباحث موضوعة, غير متأثّرة بما هو خارج العملية النقدية, وأشهد أنّني وطيلة سنوات كتابة هذا البحث كنت أجاهد من أجل أن يكون هؤلاء الشعراء الاصدقاء بالنسبة لي كالغرباء, وأحسب أنّني وفقت في هذا إلى حدّ بعيد, إلى حدّ أنساني أنّني واحد من جيل شعري. إلى حدّ عزلت فيه تجربتي الشخصية – في الشعر – عن مجمل الأحكام التي توصلت اليها, وأظن أنّ عملية "العزل" هذه بقدر ما تقترب من الموضوعية فإنّها تنأى عنها أيضاً.


أي أنّها من قبيل "النافع والضار" معاً. 


هذا البحث هو بعض غرس الأب والأستاذ الدكتور عبد المحسن طه بدر, لقد وهب الكتاب وكتابه من وقته وجهده الشيء الكثير, ولا بد لي أن شير هنا إلى أن عدداً غير قليل من ملاحظات الدكتور بدر قد تسرّب إلى ثنايا هذا البحث إلى الحد الذي يصعب فيه الاشارة إليه. انّ عبارات الشكر التقليدية لتبدو لي باردة غير معبّرة بدقة عمّا في داخل روحي لأبي وأستاذي الناقد.


كثيرون هم الذين أعانوا كاتب هذه الكلمات وقدّموا له المساعدة. يشكرهم أحباء وأصدقاء ومعارف ومن بين وجوه الأحبة يطلّ وجه الصديق العزيز, الدكتور الناقد جابر عصفور, فان له أفضالاً كثيرة على صاحب هذا البحث.


 


 بغداد


16/11/1981