التاريخ: 2017-7-19 مشاهدات: 324

 تحاول هذه الصفحات القلائل أن تجلو بقصد وعلى بينة فرعا من العلوم الإنسانية الشابة, لم يظفر بما يستحقه في اللغة العربية من رعاية واهتمام حتى الآن, إذ أنّه على أصالة جذوره في ثقافتنا للوهلة الأولى, وتوافر الأسباب الظاهرية لنموه عندنا, ودوره كوريث شرعي للبلاغة العجوز التي أدركها سن اليأس وحكم عليها تطور الفنون والآداب الحديثة بالعقم, ينحدر من أصلاب مختلفة, ترجع إلى أبوين فتيين هما علم اللغة الحديث – أو الألسنية إن شئنا أن نطلق عليها تسمية أشد توافقا مع دورها في أمومة علم الأسلوب – من جانب, وعلم الجمال الذي أدى مهمة الأبوة الأولى من جانب آخر. وإن كان كلاهما لم يستقر حتى الان بشكل حاسم  على رقعة الدراسات العربية  كي  يؤدي إلى ميلاد علم أسلوب عربي أصيل, فإن هذا لا يعفينا من مهمة استكشاف مجالات هذا العلم, واستيضاح مناهجه, وتحليل مبادئه, بمفهومها التاريخي كبدايات لنشأته ونموه من ناحية, ومفهومها النظري كأسس ومقولات تعتمد عليها الدراسات التطبيقية وتستمد منها صلابتها وتماسكها وصدقية نتائجها من ناحية أخرى, ثم التعرض لمجموعة من الإجراءات التحليلية والقضايا الأسلوبية التي تدرس كيفية وضع المنهج موضع التنفيذ, طبقا لإطار نظري متبلور وخطة علمية محكمة.


وإذا كانت مادة  العلم – وهي الأساليب نفسها – مما تزخر به لغتنا الثرية وتجود به ملكات أدبائنا القوية المطبوعة, التي استطاعت أن تتصدى لعصرها, وتتشرب روحه, وتجرب أنماطه, وترود مجالات إبداعه, فإن قصور الدراسة المنهجية لأعمالهم, وعجزها عن تقنين المبادئ وتأصيل الأساليب إنما يرجع إلى محاولة الاكتفاء بالوعي الفطري الساذج, والاطمئنان إلى انفصام البلاغة التقليدية عن الحياة والإشفاق من ورود منابع العلم لدى أقوام آخرين والوقوف على أسرارها, مع أن هذا التلاحم العلمي من أهم الضرورات الحيوية التي تعد من دلائل النضج والتقدم ومن خصائص عصور الازدهار. وكان من نتيجة هذا الوضع أن ظلت الدراسات الأسلوبية عندنا قاصرة على أشتات مبعثرة ونظرات سريعة, تفتقد الإطار العلمي الشامل والتوجيه المنهجي الرشيد, وتسوق جملة من الملاحظات اللغوية في بعض الأحيان, والبلاغية أحيانا أخرى, دون أن ينتظمها نسق علمي ناضج يسمح باتخاذ أدوات التحليل والقياس, ويؤدي إلى تحديد الملامح الدالة, وتحرير الوظائف الأساسية, ومعرفة أنماط الأساليب, أي دون أن يصل إلى الحد الأدنى من الاعتماد على أسس سليمة تضمن التنامي العلمي للحقائق, والتراكم الطبيعي للإنجازات, والتوصيف الدقيق للظواهر والرؤية الشاملة لمختلف الاتجاهات والمدارس ليكون الاختيار من بينها عن علم وبينة والتوفيق بين عناصرها عن وعي وإدراك وبصيرة.


ومع أن مستوى الدراسات اللغوية الحديثة, في العالم العربي المعاصر, قد يؤدي بإمكانية احتضان البذور الأولى لعلم الأسلوب, بعد الجهود المضنية لجيلين من العلماء تصدوا لاستنباطه وتعميق جذوره في أرضنا الصلدة, فإننا مازلنا نعاني حقيقة من قحط فلسفي جمالي, لم ترو غلته قطرات الغيث الندية التي انصبت عليه في السنوات الأخيرة إذ ما فتئ يحتاج إلى صوب هتون لا تبدو دلائله حتى الآن في الأفق, إلا أنه ليس من الحتمي أن يتولد العلم لدينا الطريقة التي نشأ بها في الغرب, بل إن تجربة البلاغة العربية القديمة تدعوننا إلى الاعتداد بطرقنا الخاصة في التوليد والاحتضان, وتضعنا أمام نموذج نستهدى به اليوم, فقد كانت البلاغة العربية استجابة فذة لحاجات وضرورات داخلية حميمة في بنية اللغة القومية والثقافة الإسلامية, ومع ذلك فقد تغذت بلبان الفلسفة والبلاغة اليونانية, واصطنعت كثيرا من مناهجهما وأدواتهما, دون عقوق لمنبعها الأصيل, أو مساس بعبقرية لغتها الخاصة, فلم تأخذ سوى ما تحتاج إليه مما لا يتضارب مع عصارة الحياة فيها, ولا ينجرف بطبيعة الرسالة المنوطة بها, ولم تلبث أن تكونت بداخلها تيارات ومدارس بعضها أدبي بياني, والثاني كلامي منطقي, والثالث مغربي أرسطي, حتى بلغت مرحلة من الاستواء العلمي والنضج التاريخي جعلتها تقف شاهدا على قدرات أهلها وإنجازاتهم الحضارية المرموقة في أزهى عصور العطاء العربي المجيد.


وسنرى عند استعراض المدارس الأسلوبية المختلفة, والكشف عن التجارب والاتجاهات المتباينة, أن أمامنا فرصا واسعة للاختيار والإضافية والتكييف, وأننا لا يمكن أن ندعو إلى النسج والتقليد, أو نقبلهما في قضايا تتعلق بالذوق الجمالي, أو بالخصائص الميزة لكل لغة من اللغات أو فن من الفنون, بل إن علينا في كل مرة نتصدى فيها للبحث والتحليل أن نتقن ممارستنا, ونبدع تطبيقنا, ونبتكر حلولنا, لكن ما ينبغي أن نستحضره دائما أنما هو ضرورة الاستحصاد المنهجي, والتذرع بأدوات التحليل العلمي, التي تصبح بمجرد الاهتداء إليها في لغة من اللغات ملكا للإنسانية بأجمعها, ووسيلة من وسائل رقيها وتقدمها, ولا ينفعنا في شيء أن نعمى عنها أو نتجاهلها بدعوى الوفاء لتراثنا, لأننا حينئذ نجني أول ما نجني عليه, إذ نعجز عن إحيائه وإثرائه واستنقاذه من التقلص والضمور.


وبالرغم من حداثة علم الأسلوب نسبيا, إذ يعود كما سنرى إلى أوائل العقد الاول من هذا القرن فان جملة ماكتب فيه من  بحوث نظرية وتطبيقية في  اللغات  الأوروبية فحسب يربو الآن على أربعة آلاف بحث وكتاب (21:50) مما يجعل الإلمام بها مستحيلا عل أي دراس, فضلا عن الإحاطة الكاملة بتفاصيلها ودقائقها, ويفرض لونا من الاختيار الصارم لأهم التيارات وأعظمها تأثيرا فيما تلاها من أعمال, كما يقتضي بالإضافة إلى ذلك توسعا في استخدام المصطلحات العلمية, وتوخيا لتبسيطها وتقريبها مما عهدناه, حتى لا يصطدم القارئ بمصطلح مستوحش يتأبى على الفهم والقبول.


أما هذه الأرقام التي وردت منذ سطور بين قوسين, فهي تشير إلى المرجع الذي أسقي منه البيان المذكور, إذ إنني آثرت أن أتبع طريقة مستحدثة في الهوامش, تقضى بترتيب أهم المراجع في نهاية الكتاب, وإعطاء كل منها رقما معينا, ثم الإشارة إليها في صلب النص برقمين, أحدهما يعود إلى رقم المرجع كما ورد في الثبت الأخير, ولآخر يعود إلى رقم الصفحة أو الصفحات المقتبس منها النص طبقا للطبعة المذكورة, وتهدف هذه الطريقة إلى تفادى إثقال حواشي الكتاب بأسماء المراجع, وخاصة أنها في معظمها أجنبية, وتفادي تكرارها كلما رجعنا إليها, كما تهدف إلى توفير أعظم قدر من سلاسة التلقي وحرية التوثيق لدى القارئ, دون تشتيت لانتباهه أو العالم عليه بذكرها كل مرة, أو التعمية, والإبهام وإخفاء المصادر بإغفال الإشارة إليها كلما اقتضت أمانة البحث وضرورة التوثيق الدقيق.


وحسب هذه الدراسة أن تكون امتدادا لجهود الرواد والأوائل في فن القول والأسلوب في أفقنا العربي, أمثال الأساتذة الكبار أمين الخولى وأحمد الشايب, وأن تكون تحقيقا جزئيا متواضعا لما راود خيال مؤسس النقد الجامعي الحديث الدكتور غنيمي هلال ولم يمهله القدر لإنجازه, وأن تلقي حفنة ولو يسيرة من الضوء على تطور الدراسات الأسلوبية الحديثة, وتشعب مبادئها اللغوية والجمالية قبيل العقد الأخير من القرن العشرين, وأن تكون مجرد مؤشر صائب لفجر صادق في الدراسات العربية الحديثة.


                    وعلى الله تعالى قصد السبيل


                                                                      دكتور صلاح فضل