التاريخ: 2016-6-11 مشاهدات: 1908

كتاب قيم جاء في عدة مباحث أُلحقت بفهارسَ للموضوعات والآيات والأحاديث والأشعار والأعلام مع ثبت المصادر والمراجع ، استعرض فيه د.مهدي المخزومي الآراء التي أشارت الى ان هنالك مدرسة نحوية ثالثة للدرس النحوي هي المدرسة البغدادية بالموازاة مع المدرستين البصرية والكوفية المعروفتين وذلك من خلال ماتردد على لسان المتقدمين من النحويين والمتأخرين منهم بان للبغداديين مدرسة نحوية لاتقل أهمية عن بقية المدارس وأنهم يستندون الى تصنيف ابن النديم في تقسيمه للنحاة الى ثلاث جماعات كل جماعة هي مدرسة نحوية قائمة بحد ذاتها ومنها البغدادية ، ويذهب المخزومي الى ان البغدادية والكوفية (كمدرسة) هم جماعة واحدة والدارس لايكاد يقف على خلاف واضح بينهما في حين ان الخلاف يتجلى بوضوح بين الكوفيين والبصريين ، وبين البغداديين والبصريين كما هو معتاد وشائع ،والدارسون المتأخرون لم يشيروا الى اي خلاف بين الكوفيين والبغداديين فيما أشاروا بوضوح الى الخلاف القائم مابين الكوفيين والبصريين بينما لم يشيروا الى خلاف بين البغداديين والكوفيين ما يدل على ان البغداديين هم وجه آخر من الكوفيين ، ويشير المخزومي الى أن الكسائي (تـ 189 هـ ) هو زعيم المدرسة الكوفية الذي يعد من واضعي المذهب النحوي الجديد في بغداد بعد أن استقر فيها وبعد انصرافه الى الدرس النحوي والرواية واللغة وبعد رحلاته المتكررة وخاصة الى البصرة حيث سمع من الخليل واخذ منه علما كثيرا وقد شرع لإرساء قواعد النحو على أسس اشتقها من ثقافته القرآنية ومن آرائه التي خالف فيها البصريين : إجازته حذف المضاف اليه وإبقاء المضاف غير منون مثل قولهم (أفوق تنام ام أسفل) بالنصب على تقدير أفوق هذا تنام أم أسفله . ومن تلاميذ الكسائي في بغداد وممن كان لهم الفضل في تثبيت قواعد المذهب الجديد هو علي بن المبارك الأحمر الذي كان ينفرد بجملة آراء نحوية منها جواز الفصل بين أداة الإضافة والمخفوض وأيضا أن (ما) يستثنى بها كإلا وغيرها .
ويورد لنا المؤلف ان الفراء (207 هـ) كان من جملة أصحاب الكسائي والذي يقول عنه ثعلب لولا الفراءُ لما كانت اللغة وللفراء الكثير من الآراء اللغوية البارزة منها: النصب على الخلاف او على الصرف كنصب الاسم الواقع بعد واو المعية ونصب الخبر ظرفا .ومن أصحاب الكسائي ثعلب (ت 291 هـ )الذي تصدّر مجالس الدرس النحوي واختلف اليه الدارسون ومات ثعلب وترك مصنفات كثيرة ومهمة منها كتاب معاني الشعر وكتاب الفصيح وكتاب المجالس .
ولرسم الخطوط العريضة لملامح المذهب البغدادي (الكوفي ) حسب تعبير المؤلف لابد لنا من تثبيت الخطوط الرئيسة للمدرسة البصرية اولا ليتسنى لنا أن نوازن بين المذهبين ونقف على مكامن الاختلاف بينهما ثانيا ومن جملة ذلك أن المدرسة البصرية اعتمدت على القياس كمذهب نحوي وجعلوه أصلا من أصول الدرس والقياس : هو الانتقال من الكلي الى الجزئي وعدم الالتفات الى أي مسموع وإذا واجههم مسموع موثوق لجؤوا الى التأويل والتقدير وإلا فهو شاذ ولايقاس عليه ومن هذا المنطلق كان رأيهم في الأحاديث النبوية الشريفة التي تخالف أصولهم في القياس بحجة أن الكثير من الأحاديث رويت بالمعنى ومن أناس ليسوا عربا .
وبخصوص القراءات فهم كانوا يترددون في قبولها إذا خالفت أصولهم ويطعنون على القراء وينسبون اليهم الجهل بالعربية مع العلم ان أئمة القراء لايعملون في شيء من حروف القران إلا على الأثبت في الأثر والأصح في النقل .
ويخلص المخزومي بعد شرح طويل لأهم سمات الدرس النحوي في بغداد وبإيجاز شديد:
انه تحرر من ربقة تحكيم العقل في هذا الدرس
أضاف للدرس النحوي قيمة كبيرة ردت اليه اعتباره
التجديد في أسلوب الدرس النحوي برفض التعليلات التي لاصلة لها بهذا الدرس
تغليب النقل على القياس .
ويستطرد المخزومي الى بيان سمات الدرس النحوي في القرن الرابع الهجري وهو قرن شهد ازدهار الحضارة العربية والإسلامية بعد أن بسط الدرس البصري نفوذه في بغداد في هذا القرن إلا ان الدرس كوفي بقي عصيا على الاندثار وحيا بأعمال أعلام بارزين كان لهم اثر كبير في بقاء الدرس الكوفي حيا ونضرا ومن هؤلاء ابن خالويه ( تـ 370 هـ) وابن فارس (ت 395 هـ ) والشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي وغيرهم .
ويعرّج أستاذنا المخزومي على الدرس النحوي في الآفاق أي في غير البصرة والكوفة وبغداد وهي الأمصار التي كانت المصدر الأساس في الدرس النحوي واللغوي لاسيما البصرة والكوفة كمصر والأندلس ويشير الى ان مجالس الدرس النحوي الأول في مصر كانت في المساجد الجامعة العامة بينما كان دارسو النحو الأندلسيون يولون وجوههم شطر المشرق العربي لتلقي العلوم القرآنية والأحاديث ومن ثم اللغة والنحو فإذا عادوا من رحلاتهم تصدروا مجالس الدرس وبثوا في تلاميذهم ومرتاديهم ما اكتسبوه من رحلاتهم الغنية بالمعارف والعلوم.
ولتبديد الوهم الذي علق بأذهان الدارسين المحدثين كشوقي ضيف والذين تصوروا أن البغدادية تعني مذهبا اخر غير مذهب البصريين والكوفيين وهي كانت محاولات يغلفها الترف والتأنق الفكريان لا أكثر فضلا عن الخلط غير المبرر بين هاتين المدرستين .
وفي الحقيقة ان البغدادية ليست مدرسة قائمة برأسها كالبصرية والكوفية وإنما هي وجه آخر من وجوه المدرسة الكوفية إن لم تكن تابعة لها وهو ملخص الفكرة التي جاء بها استأذنا المخزومي .
متابعة / عباس الصباغ