التاريخ: 2015-12-28 مشاهدات: 1167

من مقدمة: الدكتور أحمد محمد قدور
(مبادئ اللسانيات)
شهدت الدراسات اللغوية في الغرب منذ القرن التاسع عشر توسعا ونضجا, حتى صارت محط أنظار الدارسين في مجالات أخرى. وقد بعث هذا التطور نهضة علمية لا تزال آثارها ممتدة حتى أيامنا هذه. ولم تكن هذه الدراسات التي صارت تدعى باللسانيات (Liguistique) في سعيها إلى الدرس العلمي للظواهر اللغوية لتحجم عن الاستعانة بالعلوم الأخرى مهما بدا بعضها بعيدا عن مجال اللغة. وقد مهد هذا الاتصال, وما ينطوي عليه من تأثير, لنشأة فروع علمية جديدة كانت اللسانيات الطرف الأساسي فيها كاللسانيات النفسية والاجتماعية والجغرافية ونحوها.
وكان القرن الثامن عشر قد شهد ظهور الفيلولوجيا ((philologie التي ترجمت خطأ عندنا إلى (فقه اللغة). وأهم ما تعنى به (الفيلولوجيا) تحقيق النصوص وفك رموز النقوش وإعدادها للنشر العلمي. لذلك لم تتعد هذه الدراسة حدود العمل التمهيدي اللازم لدراسة اللغة. لكن الأمر لم يخل من خلط في المصطلحات, إذ استعمل مصطلح (الفيلولوجيا) مرادفا لعلم اللغة أو اللسانيات.
لكن ظهور فرديناند دوسوسير (Saussure) (ت1913م) جعل اللسانيات واضحة الحدود من حيث الاختصاص الذي صار يشمل جميع قطاعات اللغة على حد سواء كالأصوات والصرف والنحو والمعجم والدلالة, ومن حيث المناهج التي نضجت وآتت أكلها كالمنهج التاريخي والمقارن والوصفي.
ولما بدأت معالم هذا العلم الجديد تلوح في درسنا اللغوي الحديث منذ أربعينيات هذا القرن تقريبا, انقسم الدارسون عندنا بين مهون شأن هذا العلم ومعظِّم.
فالذين هونوا منه لم يقفوا على ما فعله في الغرب حتى يقدروه حق قدره. أما الذين عظَّموه فقد جعلوا منه قطب الرحى في كل دراسة, وصغر لذلك في عيونهم, ما أنجزته الدراسات العربية القديمة في اللغة ومناهجها.
والحق أن اللسانيات ينبغي أن تكون عامل "تحديث" لا عامل تهديم, وان يكون ما يفد منها إلى درسنا على سبيل الإضافة والإثراء وليس على سبيل المسخ والإلغاء. فمن الإفادة المرجوة مثلا تحديث مناهج الدرس اللغوي, وتخليص هذا الدرس مما لحق به من معطيات خارجية عن مجال اللغة, وابتناء علوم لغوية جديدة على هدى من الأنظار الحديثة كعلم الأصوات وعلم الدلالة والمعجمية, مما لم يعرف في درسنا ضبطا منهجيا أو إطارا معرفيا (إبستميولوجيا), مع كثرة الجهود وسعة المعطيات. كما يمكن لفقه اللغة العربية أن يفيد من الكثير من نتائج الدراسات اللسانيات المقارنة, والدراسات الفيلولوجية لمعرفة مكان العربية بين أخواتها عبر التاريخ, وأن يفيد من نتائج الدرس التأصيلي ((Etymologie لمعرفة مصادر المعرب معرفة صحيحة, ونحو ذلك كثير.
لكن هذه الإفادة لا تعني بحال من الأحوال إلغاء لأي ضرب من ضروب المعرفة اللغوية عندنا كالنحو والصرف وفقه اللغة ومحيطات الدلالة والمعجم, بحجة التجديد أو مجاراة العصر. كذلك ينبغي التنبيه على أن أي استمداد من المناهج الحديثة لا يجوز أن يؤدي إلى تجاوز لخصوصية العربية الفصحى وما يحيط بها من ظروف تاريخية وحضارية وقومية.
أما اللسانيات فضرب جديد من ضروب الدراسة اللغوية يعتمد مناهج ووسائل محدثة لا تقتصر على هذه اللغة دون غيرها. لذلك لا نجد بأسا من إضافة هذا الدرس إلى علومنا اللغوية, لأن فيه فوائد لا تنكر شريطة أن يكون للعربية مكان في هذا الدرس حتى لا تبقى اللسانيات علما أجنبيا لا يتعدى دورنا فيه حدود الترجمة. وقد ظهر من هذا الدرس شيء يمكن أن يتابع ويبنى على أساسه. مثال ذلك الدراسة الرائدة للدكتور تمام حسان (اللغة العربية معناها ومبناها), والدراسة المهمة للدكتور عبد السلام المسدي (التفكير اللساني في الحضارة العربية). فالدرس اللساني العربي المقترح لا يمكن أن يكون صحيحا من وجهتنا ما لم يكن مسبوقا بكشف دقيق لإنجازات علماء العربية في كل مجال من مجالات درسها, وفهم واع لمناهج الدرس اللساني المستجلب ومقاصده.
والكتاب الذي بين القارئ الآن محاولة لتقديم الإطار اللساني الأجنبي مع سعي حثيث لتكييف (Adaptation) هذا الإطار ووضعه ضمن الدرس اللغوي العربي غير منبت ولا مستنكر. وقد حاولت جاهدا أن يكون للمعطيات العربية مكان ضمن المقولات الرئيسية التي أبرزتها اللسانيات العامة. كما حاولت أن أضع بين يدي القارئ خلاصة للدرس اللساني المستقى من عشرات المراجع الأصلية بعيدا عن تشويه الترجمات وبلبلة الدراسات وفوضى المصطلحات.
وتحقيقا للغاية المرجوة فقد جاءت فصول الكتاب متسلسلة وفق مستويات التحليل اللساني. فكان الفصل الأول خاصا بالأصوات من خلال فرعيها الأساسيين وهما الفونيتيك والفونولوجيا. على حين خصص الفصل الثاني للدراسة الصرفية التي يعبر عنها مصطلح المورفولوجيا. ثم تلا ذلك الفصل الثالث الذي عني بالدرس النحوي الخاص بالتركيب (Syntaxe ) وتحليل المعنى الإسنادي. وجاء الفصل الرابع ليدرس الدلالة ويقف على جوانبها.
ولابد من التنبيه على أن الكتاب لم يعرض لشيء من اختصاصات اللسانيات التطبيقية كالمعجم وتعليم اللغات وأمراض الكلام, كما لم يعرض لتاريخ المدارس اللسانية وأعلامها تفصيلا, لأن هذه الجوانب أوسع من أن تكون مع فصول هذا الكتاب على صعيد واحد. كذلك أغفلت التعرض لقضية التطور اللغوي لعلمي أنها جديرة بمصنف مستقل لا يغني غناه عرض مبتسر أو إشارة موجزة.
أما مصادر هذا الكتاب فهي مجموعة من المصادر الأجنبية المترجمة إلى العربية, ومجموعة أخرى من مصادر عربية لغوية متنوعة, منها ما هو ذو منحى لساني عام متأثر بالدرس الأجنبي, ومنها ما هو ذو منحى لغوي خاص بالعربية وعلومها. إضافة إلى جملة من الكتب القديمة والحديثة مما كان مجالا لاستمداد الأفكار الجزئية أو الأمثلة والشواهد المتعددة. وهناك أيضا مجموعة من الدوريات العربية التي حوت دراسات مهمة, وكتب أجنبية موضوعة باللغتين الإنكليزية والفرنسية, كان أهمها معجم اللسانيات (Dictionnaire de Linguistique, Larousse ).
وأرى لزاما علي أن أشيد بالتشجيع والمساعدة المختلفة التي تلقيتها من زملائي في قسم اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة حلب ولاسيما الأخ الدكتور صلاح كزارة الذي بذل جهدا مشكورا في قراءة أصول هذا الكتاب والتنبيه على مسائل متعددة أخذتها في الحسبان حين وضع الكتاب في صورته الأخيرة.
وأملي كبير في أن يكون هذا الكتاب نافذة يطل منها دارسو العربية على نحو جديد من الدرس يعينهم على هدى من المناهج الحديثة التي ينبغي أن توطأ لخدمة العربية الفصحى لغة العلم والحضارة وعروة الأمة الوثقى.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
حلب في 12 من كانون الثاني عام 1995م.