التاريخ: 2015-11-25 مشاهدات: 620

من مقدمة: الدكتور نبيل راغب:
(التفسير العلمي للأدب نحو نظرية عربية جديدة)


(منهج الدراسة)
أصيب الأدب العربي بآفة قاتلة قل أن نجد لها نظيراً في آداب عالمنا المعاصر. هذه الآفة تقول إن الفرق بين الأدب والعلم مثل الفرق بين الأضداد التي لا يمكن أن تتلاقى, مما نتج عنه انفصال كامل بين أهم فرعين من فروع المعرفة الإنسانية, وأتاح الفرصة لكل من هب ودب لكي يدلي بدلوه في نهر الأدب الذي لم يعد يعرف له منبعا أو مصبا أو حدوداً.
وطالما أن الأدب فقد صلته العضوية بالعلم, فمن السهل على أي مدع أن يكتب ما يسميه بالقصة القصيرة أو الرواية أو المسرحية أو القصيدة, ناسيا بذلك أن المعرفة الإنسانية لا تتجزأ وأن الأديب الذي لا يمتلك منهجا علميا في كتاباته, لا يمكن التفريق بينه وبين كاتب العرائض الذي يقبع على باب المحكمة أو دار البريد.
وأذكر عندما كنا طلبة بالمدارس الثانوية في منتصف الخمسينيات, أن قرر علينا كتاب في اللغة العربية بعنوان "النقد والبلاغة", وكانت الفكرة الأساسية التي ينهض عليها الكتاب هي التفريق الحاد بين ما سماه المؤلفون بالأسلوب العلمي والأسلوب الأدبي. ففي نظرهم يتميز الأسلوب العلمي بالاقتصاد في التعبير والتحديد في المعنى, أما الأسلوب الأدبي فيعرف بالإطناب والخيال والمحسنات اللغوية والبديعية. ونسي مؤلفو الكتاب أن الأسلوب هو علم أولا وأخيراً, فإن كان الكاتب العلمي في حاجة إلى الاقتصاد في التعبير, الذي يعتبر الأدب مجرد تعبير عن وجهة نظره الذاتية وأحاسيسه الشخصية, فلن يخرج عن نطاق موضوعات الإنشاء التي يطلب من طلبة المدارس كتابتها.
وهذا الانفصال بين العلم والأدب يدعي ان ألاديب رجل لا يفقه شيئا في العلم, والعالم رجل لا يحب أن يضيع وقته الثمين في هواجس الأدب وشطحاته. وإذا كان العلم بطبيعته لا يسمح لأي شخص بأن يدلي بآرائه الشخصية في نظرياته المتعددة لأنها تتعامل مع الحقائق, وأن هذه الآراء الشخصية مقبولة فقط في حالة قيامها على أساس علمي: نظري أو تطبيقي – فالأدب لا يكتسب مثل هذه المناعة ضد المدعين, لأنه يتعامل مع النفس البشرية بكل متناقضاتها وصراعاتها المحيرة, التي يستحيل وضع حدود فاصلة لتمييزها بشكل نهائي.
كان هذا بمثابة باب مفتوح على مصراعيه لكي يدلف منه المدعون مرتدين أردية الأدباء والمفكرين العظام. أما القارئ العادي فليس لديه الوقت أو الصبر لكي يميز بين الأصيل والمدعي, ومن هنا كان اختلاط الحابل بالنابل في ميدان الأدب في العالم العربي بصفة عامة.
وقد استغل مدعو الأدب في العالم العربي الدعوى إلى انفصام العلم عن الأدب لكي يخفوا بها جهلهم بقوانين الكون والأحياء والنفس البشرية, وهي القوانين التي شكلت المضمون الرئيسي للأدب على مر العصور, ساعدهم في ذلك القرون الأربعة المظلمة التي مر بها العالم العربي تحت نير الإمبراطورية العثمانية, والتي أحالت الأدب إلى مجرد زخارف لفظية جوفاء لا تحمل من المعاني الإنسانية بقدر ما تنوء بحمل القوالب اللغوية الصماء.
لكن بسقوط الإمبراطورية العثمانية دخل العالم كله في مرحلة الحرب العالمية الأولى, وهي المرحلة التي أصبح فيها الانفصال بين العلم والأدب شبه ظاهرة عالمية. فعندما انتصرت الدول المتقدمة علميا وتكنولوجيا واستطاعت وضع نهاية للحرب حين تمكنت من السيطرة على دفة الأمور في العالم, سادت الأذهان – منذ ذلك الوقت – الفكرة الخاطئة التي تنادي بأن النصرة والغلبة للعلم والتكنولوجيا, أما الأدب والفن فمجرد زخارف خارجية لحياة البشر, يمكن الاستغناء عنها عندما تحين ساعة الحسم.
وإذا كان هذا الاعتقاد قد حاول الانتشار في الدوائر الفكرية والثقافية في العالم, في حين حاول المفكرون والمثقفون الأصلاءُ التصدي له بأسلحة العلم والفن, فإن هذا الاعتقاد القاصر قد تمكن من حياة الإنسان العربي بحيث أصيب بانفصام بين عقله ووجدانه, وخاصة أن المناخ الفكري والنفسي كان ممهدا من قبل لهذا الانفصال بين العلم والأدب في العالم العربي نتيجة لقرون الاستعمار التركي التي عاش في ظلامها. وكانت النتيجة أن الإنسان العربي أصبح يفكر بأسلوب ويحس بأسلوب آخر قد يتناقض تماما مع أسلوب تفكيره, لذلك نراه يؤمن في أعماق نفسه بأشياء راسخة لكن سلوكه الظاهري يؤكد عكس هذه الأشياء تماما, أي أن الانفصال بين المظهر والجوهر, أو بين الأقوال والأعمال, كان تجسيدا حيا للانفصال بين العلم والأدب, ذلك أن الإنسان الذي تتجزأ معرفته وفكره وثقافته ونظرته إلى الوجود, لا بد أن تتجزأ مقومات شخصيته بالتالي, وتفتقر حياته إلى الاتساق والتناغم والنظرة الإنسانية الموضوعية الشاملة.
وهذه الدراسة محاولة علمية أدبية للوصول إلى نظرية عربية, تؤكد بالدليل العلمي والبرهان الأدبي أن العلاقة بين العلم والأدب ليست مجرد زمالة أو معاصرة, لكنها علاقة زواج بمعنى الكلمة, زواج ينتج عنه أفكار ونظريات وأشكال ومضامين جديدة, تتطور بالفكر الإنساني إلى مراتب أعلى. والدليل على اتساق جزئيات هذه نظرية وتناغم عناصرها, أنها تنطبق على النظريات والقوانين الموجودة في العلوم الطبيعية والتجريبية والإنسانية على حد سواء, كما تنطبق تماما على الأشكال والمضامين الأدبية في المستقبل. فالعقل الإنساني ابتكر العلم كما ابتكر الأدب, وهو عقل واحد في جوهره, ولو أصيب بأي انفصام, فقل على العالم السلام.
إن وحدة هذه النظرية واتساقها ينبعان من وحدة العقل الإنساني.
والدليل العملي على هذا أننا إذا حاولنا تحليل الأعمال الأدبية تحليلا منهجيا علميا موضوعيا – لوجدنا أن كل الأعمال الجيدة الناضجة منها تقوم على أساس من قوانين علمية, تتحكم في حركتها ونموها وتطورها الطبيعي دون تدخل مفتعل من المؤلف لتسيير دفة العمل الأدبي كما يهوى. وبرغم انعزالية الكثير من العلماء عن ميدان الأدب, فإننا نجد معظم الأدباء المجيدين يستخدمون القوانين العلمية في خلقهم لأعمالهم الفنية سواء بوعي أو بلا وعي, ذلك لأنها تفيدهم في تنظيم فكرهم وتشكيل فنهم. ومن السهل أن نتتبع في الأعمال الأدبية الجيدة, القوانين العلمية من أمثال قوانين الجاذبية عند نيوتن, والقوة والمقاومة, ونظرية النسبية عند أينشتاين, والتفاعل الكيميائي, والتطور البيولوجي, وغير ذلك من إنجازات الفيزياء والرياضيات والكيمياء والبيولوجيا. حتى علوم الاقتصاد والجغرافيا والتاريخ استقى منها الأدب مضامينه.
وإذا كان الأدب قد استفاد من توظيف قوانين العلوم الطبيعية والتجريبية, فإنه من باب أولى لا بد أن يتوغل في مجالات العلوم الإنسانية كعلم النفس, وعلم الاجتماع, وعلم المنطق, وعلم الجمال. وهذا ما حدث بالفعل, لدرجة أن الحدود كانت تضيع أحيانا - في نظر بعض النقاد – بين ما ينتمي إلى مجال الخلق الفني والأدبي وبين ما يتصل بمفاهيم علم النفس والاجتماع والمنطق والأخلاق. لكن هذه الدراسة توضح أن وجود القاعدة المشتركة التي يقف عليها الأدب مع هذه العلوم لا يعني ضياع الحدود والوظائف والأهداف المتميزة.
وإذا كانت هذه الدراسة قد برهنت على ضرورة المنهج العقلاني بالنسبة لعملية الخلق الفني عند الأديب – وخاصة فيما يتصل بعنصر الصنعة – فإنه من الضروري بصفة أكثر إلحاحا أن يصبح النقد الأدبي علما قائما بذاته بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى. ذلك أن النقد الانطباعي قد ولى زمانه, ولم يعد الناقد حرا في التعبير عن إحساساته الشخصية تجاه العمل الأدبي, بل أصبح من غير المسموح له ألا يقول شيئا إلا إذا كان مبررا ومؤيدا بالبراهين الملموسة والأدلة المادية والشواهد النابعة من داخل العمل نفسه, بدون أي فرض للتفسيرات الخارجة عنه, والتي قد يتبرع بها الناقد من عندياته. لذلك أصبح النقد الأدبي تحليلا للعمل حتى يصل المتذوق إلى عوامله الأولى المشكلة له, ومن ثم يشارك الأديب في عملية الاستمتاع بمراحل التشكيل الفني, وبهذا تنتقل إليه عدوى الفن الجميل لكي تعيد تشكيل وجدانه ونظرته إلى الحياة.
وإذا كان الوجدان الإنساني هو المنجم الذي يستخرج منه الأديب مواده الخام التي يشكلها في أعماله الأدبية, فإن هذا الوجدان ليس شيئا دخيلا على مجال العلوم, لدرجة أن هناك ما يمكن تسميته بالوجدان العلمي. صحيح أن اصطلاح "الوجدان العلمي" قد يبدو غريبا لأول وهلة, لكنه في الحقيقة أمر واقع فعلا, وذلك بالرغم من أن العلماء كثيرا ما يفخرون بأنهم يتسلحون بالموضوعية والأكاديمية والحيادية الباردة البعيدة عن كل عاطفة لكن الفيلسوف الإنجليزي المعاصر وربين كولنجوود يؤكد أن صيحة أرشميدس "وجدتها" كانت العاطفة في قمتها وقد تجسدت في الانتصار العلمي الذي اكتشفه.
لذلك فإنه آن الأوان لكي يتخلص الأدب العربي من الآفة التي أصابت بعض الأعمال المعاصرة – بصفة خاصة – والتي أنتجها أدباء عرب لم يهتموا كثيرا بالعلاقة العضوية والخفية بين العلم والأدب. فنحن لا نعيش في عصر العلم فحسب, بل نعيش في عصر المعرفة الإنسانية الشاملة. إنه عصر يؤمن بأن المعرفة كل لا يتجزأ. لا فرق في هذا بين أديب وعالم, لأن الاثنين يهدفان إلى شيء واحد: فهم أفضل واستيعاب أشمل لموقف الإنسان من حياته ومجتمعه والكون الكبير الذي يحتويه. فإذا كان العلم يجسد منجزات العصر المادية, فإن الأدب يبلور ملامح العصر الروحية. ونحن لا نستطيع فصل الجسد عن الروح, وإلا يسقط جثة هامدة لا حراك فيها.
لقد أصبح من الضروري لكل أدباء العربية أن يتسلحوا بكل إمكانات المنهج العلمي, وأن يستوعبوا كل أبعاد العلاقة العضوية بين الأدب والعلم, كمحاولة للتخلص من المدعين الذين أقحموا أنفسهم على الميدان الأدبي, وأدلوا بدلوهم الزاخر بالادعاء والسفسطة والبلاغة الإنشائية التي عفا عليها الزمن. ولا بد أن ننوه في هذا الصدد بدور المفكرين والأدباء المعاصرين في العالم العربي, الذين كانوا سباقين إلى مواكبة المحاولات العالمية لرأب الصدع أو سد الفجوة المصطنعة بين العلم والأدب. لكن هذه المواكبة لم تكن ذات آثار حاسمة وفعالة, لأنها – في معظم الأحيان – لم تخرج عن نطاق المحاولات الفردية أو الجهود المتناثرة المبعثرة, التي لم تتخذ بعد شكل الحركة الفكرية أو الثقافية أو والحضارية التي يمكن أن تخرج إلى حيز التنفيذ, في مجالات التعليم العام أو التثقيف الذاتي في العالم العربي بصفة عامة. لذلك ما زالت حياتنا الثقافية تنقسم إلى قبيلتين – وإن لم تكونا متعاديتين فهما على الأقل منفصلتان – هما قبيلة العلماء وقبيلة الأدباء. وقد حاولت في الفصل الأخير من هذه الدراسة "الفكر العربي بين العلم والأدب" بلورة محاولات المفكرين العرب المعاصرين في إيجاد قاعدة مشتركة ينطلق منها كل من العلم والأدب إلى آفاق العصر الذي نعيشه.
ولعل هذه الدراسة – التفسير العلمي للأدب – تكون بمثابة دعوة لأدباء العالم العربي وعلمائه وفنانيه ومفكريه, لكي يطرحوا على بساط البحث على هذه النظرية التي نلقي الأضواء الموضوعية فيها على العلاقة العضوية بين الأدب والعلم, بحيث نعالج الانفصال الذي طرأ بينهما نتيجة للظروف والضغوط والمعوقات الحضارية والتاريخية, التي أجبرتها على عدم اللحاق بركب الحضارة الإنسانية المعاصرة, التي تؤمن بأن العلم والأدب وجهان لعملة واحدة, هي المعرفة الإنسانية التي لا تتجزأ بطبيعتها. ليس هذا فحسب, بل يتحتم علينا أن نضيف إلى حضارة العصر كل الثمار اليانعة في حضارتنا وتراثنا, وكل ما يؤكد للشعوب الأخرى أن لنا شخصيتنا المتميزة ومنهجنا الإبداعي وثقافتنا القائمة على الأخذ والعطاء. وخاصة أن الحضارة العربية في أوج ازدهارها لم تفرق بين فروع المعرفة الإنسانية, بل كانت تكُّن أسمى آيات التقدير والإعجاب للحضارة الإغريقية, التي أكدت على أوسع نطاق عملي ونظري عدم إيمانها بمثل هذه التفرقة المصطنعة, وذلك أن كل روافد الحضارة الإنسانية تنبع من نفس المنبع وتصب في نفس المصب.