التاريخ: 2015-10-1 مشاهدات: 859

من مقدمة: الدكتور رمضان عبد التواب.
التطور النحوي للغة العربية.
(بسم الله الرحمن الرحيم)
هذا كتاب صاغه صاحبه, المستشرق الألماني "برجشتراسر", باللغة العربية قبل خمسين سنة, حين دعي لإلقاء محاضرات في "التطور النحوي للغة العربية", بالجامعة المصرية القديمة, سنة 1929م.
ومنذ ذلك التاريخ, والكتاب يسد فراغا كبيرا في المكتبة العربية, في ميدان الدراسات اللغوية التاريخية, للغة العربية. وإنه ليندر أن تجد مؤلفا بالعربية, في علم اللغة وفقهها, لم يفد من هذا الكتاب القيم, على مدى نصف القرن الماضي.
أما صاحبه "برجشتراسر" فهو مستشرق ألماني مشهور, ولد في عام 1886م ونال درجة الدكتوراه من جامعة ليبزج سنة 1911م, برسالته عن "استعمال حروف النفي في القرآن الكريم".
وفي عام 1914م, حصل على إجازة من جامعة ليبزج, ليقضي شهورا في بلاد الشرق, فسافر إلى الآستانة, ومنها إلى سوريا, وفيها تنقل بين بلادها, باحثا وراء اختلاف اللهجات الدارجة بها.
وقد سجل كل هذه اللهجات, ووضع أطلسا لغويا لسوريا وفلسطين, عبارة عن 42 خريطة تفصيلية, وخريطة واحدة إجمالية, مع شرح لغوي في كتاب مستقل نشر في ليبزج سنة 1915م.
وقد درس "برجشتراسر" في جامعات: ليبزج, وبرسلاو, وهايد لبرج.
واستقر به المطاف بعد ذلك في جامعة ميونخ سنة 1926م, عميدا لكلية الآداب بها, سنة 1928م.
وفي العام الجامعي 1929/1930م, دعته كلية الآداب, بالجامعة المصرية القديمة, لإلقاء محاضرات بها في موضوع هذا الكتاب, ثم دعته مرة أخرى في العام الجامعي 1931/1932م, ليلقى بها محاضرات عن فن: تحقيق النصوص. وقد نشرت هذه المحاضرات بعد ذلك في كتاب, بعنوان: "نقد النصوص ونشر الكتب" في مركز تحقيق التراث, بدار الكتب المصرية سنة 1969م.
وكان "برجشتراسر" يكره "هتلر" ودعوته النازية, لتفضيله الحديد على الزبد والعلوم العملية على العلوم النظرية, وكان لا يرى مانعا, من حمل بندقيته والخروج لمحاربته, فدفع "هتلر" إليه بمن يقتله, وكان مغرما بتسلق الجبال, ففي إحدى المرات, حينما كان يتسلق الجبال, ومعه طالب من طلبته, إذ تعلق الطالب بقدمه, فهوى من ارتفاع شاهق إلى قاع الوادي, حيث لقي حتفه, في شهر أغسطس سنة 1932م.
وقد وقعت على كتابه هذا "التطور النحوي" في مكتبة معهد اللغات السامية بجامعة ميونخ, في أثناء دراستي بها, لدرجة الدكتوراه, وكانت نسخة المؤلف, الذي آلت مكتبته الخاصة, بعد وفاته, إلى هذا المعهد الاستشراقي العريق. وقد صحح بقلمه فيها, بعض أوهام الطباعة, وعلق على حواشيها بعض التعليقات.
ولم يكن من السهل اقتناء نسخة من هذا الكتاب القيم, كما أن تصوير الكتب لم يكن قد شاع أمره, في ذلك الزمان البعيد, فنسخت لنفسي منه نسخة طبق الأصل في 4/8/1961م, وكنت أعود إليها من حين لآخر للإفادة منها في بحوثي اللغوية المتعددة, أو لتقييد هذه الفائدة أو تلك في حواشيها. وقد شرقت نسختي هذه وغربت, وصورها كثير من أصدقائي وتلاميذي, بعد أن عرف الناس تصوير الكتب النادرة.
وكثيرا ما كان يلح هؤلاء الأصدقاء والتلاميذ, راجين أن أخرج هذا الكتاب للناس, بعد النظر في إصلاح ما اعوج منه, والتعليق على ما وهم فيه صاحبه, وإكمال ما فاته في موضوعه.. ولكن شواغل الزمن, كانت تحول بيني وبين تحقيق هذه الأماني.
حتى جاء شهر رمضان المعظم, في العام الذي يختم القرن الرابع عشر الهجري, ووجدت الفرصة سانحة, في سهراته الروحية المباركة, التي تمتد حتى صلاة الفجر من كل يوم, فجلست إلى الكتاب, أقرؤه, وأدرسه, وأتدبره, وأغلق عليه.
ولم يكن ذلك كله بالأمر الهين, فقد كان النص غفلا من الضبط بالشكل إلا ما ندر, كما كانت تشيع فيه العبارات الركيكة والملحونة, ويبدو في بعض أساليبه القلق والاضطراب, وسقوط بعض الكلمات, بعد شيء من أمثلته عن الصواب.
وقد تداركت ذلك كله, فضبطت من أمثلة النص وعباراته, ما يشكل أو يغمض على قارئه, كما صححت كل ما وقعت عليه, من خلل فيه, مشيرا إلى ذلك في هوامش الكتاب. وقد وضعت ما زدته لإقامة النص بين معقوفين, تمييزا له عن الأصل.
أما قضايا الكتاب ومسائله, وآراء المؤلف واجتهاداته المختلفة في تفسير الظواهر اللغوية, فقد كانت في بعض الأحيان محل نظر, فأجريت قلمي بالتعليق الموجز عليها, وتقليب وجهات النظر المختلفة فيها, في ضوء النظريات العلمية, التي ظهرت بعد صدور هذا الكتاب للمرة الأولى.
ولا يفوتني هنا أن أتوجه بالشكر, إلى أخي وصديقي الأستاذ محمد أمين الخانجي, الذي عنى بإخراج هذا الكتاب وغيره, في ذلك الثوب الأنيق, والذي ترسم خطى والده, المرحوم الحاج نجيب الخانجي, في نفض غبار الزمن, عن كنوز تراثنا العربي المجيد, فله الشكر على ما قدم ويقدم للمكتبة العربية, من مطبوعات فاخرة, تخلد على مر الزمن.
وبعد, فهذا هو كتاب: "التطور النحوي", في ثوبه الجديد, أقدمه للأصدقاء والتلاميذ, الذين طال شوقهم إلى اقتنائه في هذا الثوب القشيب, وأملي أن أكون عند حسن ظنهم بي, وأن يغفروا لي التسويف, الذي طال أمده ربنا آتنا من لدنك رحمة, وهيئ لنا من أمرنا رشدا, وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب,,,